شتاء دافئ بتكاليف باهظة.. قفزات قياسية في أسعار الطاقة والوقود بالنمسا بسبب تأثيرات حروب الشرق الأوسط

النمسا ميـديـا – فيينا:

ترافق بداية فصل الشتاء في النمسا توقعات اقتصادية ومعيشية معقدة، عقب الارتفاع الحاد والمستمر الذي سجلته أسعار طاقة المنازل وأنواع الوقود المختلفة خلال الأشهر الماضية، وعلى رأسها زيت التدفئة (المازوت)، والغاز الطبيعي، وديزل السيارات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على التضخم العام في البلاد وفقاً لأحدث البيانات الصادرة يوم الأربعاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وتتداخل جملة من العوامل الناتجة عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لتحديد أسعار الطاقة حالياً على المستوى العالمي، مما يجعل التنبؤ بمستويات الأسعار خلال الشتاء المقبل أمراً بالغة الصعوبة.

ارتفاع قياسي في أسعار الجملة ومؤشرات التضخم

استمرت أسعار الجملة للغاز الطبيعي والكهرباء في التصاعد خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي؛ حيث أظهر “مؤشر أسعار الغاز النمساوي” (ÖGPI) الذي يحسبه “معهد الطاقة النمساوي” (AEA) لشهر نوفمبر/تشرين الثاني ارتفاعاً بنسبة 115.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفع “مؤشر أسعار الكهرباء النمساوي” (ÖSPI) بنسبة 18.2% عن العام السابق. كما وصل “مؤشر أسعار الطاقة الشهرية” (EPI) في شهر سبتمبر/أيلول إلى مستوى قياسي جديد. وعلى صعيد المستهلك النهائي، ارتفعت الأسعار خلال الأشهر الاثني عشر الماضية بمعدل يفوق نسبة التضخم العام، محددةً اتجاه التضخم بشكل رئيسي؛ إذ بلغت نسبة التضخم في شهر أكتوبر/تشرين الأول 3.6% وفقاً للتقديرات السريعة الصادرة عن مؤسسة الإحصاء النمساوية (Statistik Austria) يوم الأربعاء. وعلى الرغم من تطبيق كبح أسعار الوقود، تجاوز مستوى أسعار الطاقة مستواها العام الماضي بنسبة 16.5% (مقارنة بـ 15.1% في سبتمبر)، ليشكّل قسط تكاليف الطاقة ما نسبته 1.38% من إجمالي نسبة التضخم العام.

انتقال زيادات الأسعار إلى المنازل وتأثير العقود

أوضح Lukas Zwieb، الخبير في اقتصاديات الطاقة لدى “معهد الطاقة النمساوي” (AEA)، في حديث مع موقع ORF.at، أن التنبؤات المتعلقة بتطور أسعار الطاقة يجب التعاطي معها بالحذر اللازم في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة. وأشار إلى أن أسعار النفط الخام يبدو أنها بلغت ذروتها مؤقتاً، ومن المتوقع أن تظل خلال الأشهر القادمة قريبة من مستوياتها الحالية، وهو ما ينطبق أيضاً على زيت التدفئة (المازوت)، نظراً لأن تقلبات أسعار مشتقات النفط تصل سريعاً إلى المستهلك النهائي. وعلى العكس من ذلك، تتأخر أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي والتدفئة المركزية (Fernwärme) المرتبطة بعقود توريد طويلة الأجل في الوصول إلى المستهلكين، حيث يُتوقع أن يبدأ هذا التأثير بالظهور خلال الأشهر القادمة، موجهاً النصيحة للمستهلكين بضرورة مراجعة عقودهم للتحقق من وجود بنود تعديل الأسعار.

عقود الأسعار الثابتة وأهميتها في ضبط النفقات

من جانبه، أشار Johannes Mayer، رئيس قسم الاقتصاد الكلي في هيئة تنظيم الطاقة النمساوية (E-Control)، إلى أنه لا يتوقع حدوث “مفاجأة سيئة كبرى” خلال فصل الشتاء بالنسبة لتدفئة المنازل التي تمتلك عقود توريد سارية بأسعار ثابتة. وأضاف أنه بالرغم من الارتفاع الكبير لأسعار الجملة، فإن شركات الكهرباء الكبرى أبدت حتى الآن “تحفظاً شديداً” في تمرير هذه الزيادات إلى العائلات والمستهلكين. غير أنه ينبغي التنويه إلى أن أرقام النماذج الحسابية لأسعار الطاقة تختلف باختلاف فترات الحساب والقيم المرجعية المستند إليها. وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، تجاوزت الأسعار الحالية بشكل ملحوظ التوقعات التي وضعت قبل عام كامل، مما قد يرفع قيمة الفواتير على كبار المستهلكين بمقدار عدة مئات من اليورو، ولا سيما لأولئك الذين يبرمون عقوداً جديدة في الوقت الراهن، بينما تبقى العقود القديمة ذات الأسعار الثابتة أسهل بكثير في التنبؤ بالتكاليف مقارنة بالعقود ذات التعريفات المتغيرة (Floater-Tarife) التي تتبع تقلبات أسعار الجملة صعوداً وهبوطاً بشكل مباشر.

تباين معدلات الارتفاع بين مشتقات الطاقة والوقود

سجلت أسعار التدفئة والوقود تفاوتاً كبيراً في معدلات الارتفاع بحسب أرقام معهد الطاقة النمساوي (AEA) لشهر سبتمبر/أيلول؛ إذ ارتفع سعر زيت التدفئة (المازوت) بنسبة تجاوزت 60% مقارنة بعام 2025، وارتفعت الكريات الخشبية (Holzpellets) بنسبة تزيد على 30%. وسجل الغاز الطبيعي ارتفاعاً بنحو 12%، في حين ارتفعت التدفئة المركزية (Fernwärme) بنحو 5%، وحطب التدفئة (Brennholz) بنسبة 4% مقارنة بالعام الماضي. وكان الكهرباء هو مصدر الطاقة الوحيد الذي انخفض السعر فيه بنسبة 9% مقارنة بالعام السابق. أما على صعيد الوقود، فقد شهد ديزل السيارات الارتفاع الأعلى بنسبة 42.3%، بينما ارتفع بنزين السوبر (Superbenzin) بنسبة 25.5% على أساس سنوي.

الاختلافات الإقليمية في تكاليف الكهرباء والغاز

أظهر مؤشر مراقبة أسعار الطاقة التابع لهيئة (E-Control) وجود فروق إقليمية واضحة في العروض المتاحة بين الولايات النمساوية؛ فبالنسبة لعائلة نموذجية تستهلك 3500 كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، تراوحت التكلفة السنوية للكهرباء بين 845.79 يورو في ولاية فورارلبرغ و1061.94 يورو في ولاية كارنتن. أما بالنسبة للغاز الطبيعي (باستهلاك سنوي يبلغ 15000 كيلوواط/ساعة)، فقد تراوحت العروض بين 1617.02 يورو في ولاية تيرول و2205.44 يورو في العاصمة فيينا. وفيما يخص زيت التدفئة، فقد كان أرخص بنحو 40 سنتاً لليتر الواحد قبل عام من الآن.

ارتفاع أسعار الكريات الخشبية وأسبابها

وفقاً للبيانات الصادرة عن الجمعية المهنية (proPellets Austria)، ارتفع سعر الكريات الخشبية (Holzpellets) بنسبة 33.5% على أساس سنوي، حيث بلغ سعر الطن الواحد في شهر أكتوبر/تشرين الأول 445.33 يورو. ورغم هذا الارتفاع، أشارت الجمعية إلى أن هذه المادة لا تزال توفر خفضاً في التكاليف السنوية بنسبة 49% مقارنة بزيت التدفئة و44% مقارنة بالغاز الطبيعي. وأوضحت المديرة التنفيذية للجمعية Doris Stiksl في تصريح لموقع ORF.at أن أسباب هذا الارتفاع تعود إلى زيادة بنسبة 40% في أسعار نشارة الخشب والمواد الخام المستخدمة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة واللوجستيات والأجور، فضلاً عن الطلب المرتفع في الأسواق الأوروبية.

الخشب الخيار الأقل تكلفة للتدفئة

وفقاً للحسابات الصادرة عن “جمعية الكتلة الحيوية النمساوية” (Österreichischer Biomasse-Verband)، يُعد الخشب المحطّب (Scheitholz) ورقائق الخشب (Hackschnitzel) الخيار الأقل تكلفة للتدفئة؛ حيث توفر الكيلوواط/ساعة الواحدة من الطاقة الحرارية بتكلفة تبلغ 7.34 سنتاً و4.06 سنتاً على التوالي. وبالمقارنة، تبلغ تكلفة الكيلوواط/ساعة من زيت التدفئة 18.08 سنتاً، وللغاز الطبيعي 15.36 سنتاً، وللكريات الخشبية 9.28 سنتاً. وتصل ميزة التكلفة التي يقدمها الخشب إلى 73% مقارنة بالغاز الطبيعي و77% مقارنة بزيت التدفئة، بالرغم من أن استخدام الخشب يظل محدوداً في المدن الكبرى بحسب التقرير الصحفي لـ Roland Winkler. وتراوحت أسعار Raummeter من خشب الزان لدى الموردين التجاريين في أكتوبر بين 110 وأقرب من 190 يورو، بينما تظل خيارات الخشب اللين أرخص سعراً.

الديزل يسجل مستويات قياسية وتبعية النمسا للواردات

وصل سعر الديزل في منتصف سبتمبر/أيلول إلى مستوى قياسي تاريخي عند 2.27 يورو لليتر، قبل أن يتحرك مؤخراً حول 2.13 يورو، في حين بلغ متوسط سعر بنزين (Eurosuper) 1.77 يورو، واقترب بنزين (Super Plus) بسعر 2.02 يورو من ذروته التاريخية المسجلة في يونيو/حزيران 2022 عند 2.10 يورو. وأوضح Lukas Zwieb أن قفزة أسعار الديزل تعود إلى تضافر عوامل عدة تشمل ارتفاع أسعار النفط الخام، واضطراب سلاسل الإمداد، وتعطل طاقات التكرير، وحظر التصدير، وارتفاع سعر الدولار. وتصادف هذه العوامل يعزز بعضها بعضاً كما أكد Johannes Mayer، مما يجعل وضع التوقعات الدقيقة أمراً بالغ الصعوبة. وتجدر الإشارة إلى أن النمسا تعتمد على الاستيراد الخارجي بنسبة 90% للغاز الطبيعي و95% للنفط الخام؛ وتراجع مستوى امتلاء خزانات الغاز الطبيعي مؤخراً إلى 66.00% (ما يعادل 66.18 تيرواط/ساعة)، مقارنة بـ 83.9% في العام الماضي. ورغم أن أغلب واردات النفط لا تأتي مباشرة من الشرق الأوسط، فإن الحرب الدائرة هناك تؤثر بشكل غير مباشر على النمسا من خلال تحديد الأسعار في البورصات والأسواق العالمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى